| حقيقة المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم |
|
|
| 03.02.2010 | |
|
إن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أصل ثابت لا يطرأ عليه التغير تحت أي ظرف من الظروف، أو زمن من الأزمان، ومدار المتابعة على الفعل والترك، وهو ما يسمى بالسنن الفعلية، أو السنن التركية، بمعنى أن أقوم بما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم تقرباً إلى الله سبحانه جل في علاه، وأن أترك ما تركه صلى الله عليه وسلم من العبادات التي أحدثها الناس من غير بينة أو دليل، إنما مرجعها إلى الهوى المحض والجهل المطلق.
ولا شك أن المسلمين متفقون على أن السنة هي ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل أو التقرير، فكل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم هو عبادة لله هي محل تأسٍ به صلى الله عليه وسلم إلا إن دل دليل ينقل فعله صلى الله عليه وسلم من العبادة العامة إلى العبادة الخاصة التي تخصه دون غيره من الناس وهي قليلة جداً، وأما ما دون العبادة الخاصة فهي محل إتباعٍ وتأسٍ به صلى الله عليه وسلم، ويدخل في ذلك الأفعال الجبلية التي لم يدل دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بها على سبيل العبادة بل على أصل الإباحة العامة إن نوى بها الاستعانة على فعل الطاعة، كأن ينوي الإنسان بأكله وشربه التقوي على عبادة الله، أو يقصد من نومه المبكر الاستعانة به على قيام الليل وغير ذلك من الأعمال المباحة التي يستعان بها على فعل الطاعة، والأصل في ذلك كله قول الله جل وعلا: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللهِ أُسوةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجو اللهَ وَاليَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللهَ كَثيراً ) . وهذه الآية الكريمة تشير إلى قضية يغفل عنها كثيرون وهي أن شخصه صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة للمؤمنين، وهذا ما يدل على إطلاق التأسي به صلى الله عليه وسلم، إذ لم يقل سبحانه لكم أسوةٌ في أقواله، أو أفعاله، بل قال لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة، إلا أن هذا التأسي لا يقوم قياماً مطلقاً إلا بمن اتصف بما دلت عليه الآية من صفات وهي قوله تعالى: (لِمنْ كَانَ يَرجو الله وَاليومَ الآخر وَذَكَرَ اللهَ كثيراً). فإن من يتصف بهذه الصفات الثلاث، هو من يكون له برسول الله أسوةٌ حسنة، وسياق الآية يدل على قضية حصر المتابعة بالرسول صلى الله عليه وسلم دون غيره فلو تأملنا قوله تعالى: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسوةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيمَ والذينَ مَعَهُ إِذْ قَالوا لِقَومِهِمْ إِنّا بَرآء مِنْكُمْ وَمِما تَعْبُدونَ مِنْ دونِ اللهِ كَفرنا بِكُمْ وَبَدا بَينَنا وَبَيْنَكُمْ العَداوةَ وَالبَغضْاء أَبدا حَتى تُؤمِنْوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلا قَولَ إِبراهيمَ لِأبيه لأَسْتغَفِرَنّ لَكَ وَما أَملِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء رَبَنا عَليْكَ تَوَكَلنْا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصير). والشاهد أن الله سبحانه وتعالى قال في هذه الآية:(لقد كان لكم أسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه). فقدم ذكر الأسوة على المتأسى بهم ، وأما في الآية الأولى فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة) فقد قدم رسوله صلى الله عليه وسلم على لفظ الأسوة على خلاف الآية الثانية، إذ في الآية الثانية لا تنحصر الأسوة في إبراهيم عليه السلام بل تتعداه إلى من معه من المؤمنين، لذا قدم لفظ أسوة، وأما في الآية الأولى فقد أخر لفظ أسوة للدلالة على معنى الحصر، وهذه قضية بالغة الأهمية في مسألة الإتباع فلا يصح في الإسلام أن يتبع إلا الرسول صلى الله عليه وسلم دون غيره من الرجال بغض النظر عن مكانتهم وقربهم منه، ولا يقوم إتباع أحد منهم إلا لمتابعته الحقة للرسول صلى الله عليه وسلم، مما يبطل قضية إقامة الولاء والبراء في غير الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تقليد غيره ممن خالفوا سبيله وأحدثوا في دين الله ما ليس منه ، وما أكثرهم في هذا الزمان نسأل الله العلي القدير العفو والعافية.وقد جعل الله سبحانه متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم دليلاً على حب عباده له سبحانه إذ قال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللهَ فَاتَبِعونِي يُحْبِبْكُمْ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنوبِكُمْ وَاللهُ غَفورٌ رَحِيمْ). فإن حب المؤمنين لربهم سبحانه يحملهم على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن الممتنع أن يكون المرء محباً لله سبحانه غير متبع للرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك فكل دعوة لمحبة الله سبحانه من غير متابعة للرسول صلى الله عليه وسلم تكون محض إدعاء ، وإلا فلا سبيل للوصول إلى الله سبحانه الموجبة لمحبته للعباد إلا عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما كان كثير من المسلمين على غير متابعة حقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم، أحببت أن القي الضوء على الصفات الثابتة التي إن قامت بفرد من الأفراد يكون بها متبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم ضرورة لأهل الديانة والعقل أن المسلمين يوم القيامة ينقسمون إلى قسمين، قسم متبع للرسول صلى الله عليه وسلم، وقسم محدث مبتدع مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في الحديث الذي روياه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليَّ رجال منكم ، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني ، حتى إذا رأيتهم ، ورفعوا إليّ ، اختلجوا دوني ، فلأقولن : أي رب ، أصحابي، أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) .فهذا الحديث برواياته وغيره من الأحاديث لتدل دلالة صريحة على أن من المسلمين من يطرد عن حوض الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب الإعراض عن سنته وما قام فيهم من تبديل، والحديث صريح في انه لا يرد على الرسول صلى الله عليه وسلم الحوض إلا من كان يتبع هديه صلى الله عليه وسلم في الدنيا وإن من أبرز صفاتهم ما دلت عليه الآية الكريمة : (فَالذينَ آمَنوا بِهِ وَعَزَروهُ وَنَصَروهُ وَاتَّبَعوا النورَ الذي أُنزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الُمْفِلحون) ونستطيع تلخيصها بما يلي: أولاً: الإيمان به: ولا يفهم منه مجرد التصديق بكونه مرسلاً من الله سبحانه وأن رسالته قول حق ووعد صدق، وأن من اتبع ديناً غير الإسلام فهو من الخاسرين فحسب، بل هذا شرط أساسي لدخول الإسلام، فلا يعتبر من أنكر شيئاً من هذا مسلماً بل هو كافر بالإجماع، ولكن المقصود بالإيمان به صلى الله عليه وسلم ،مع هذا التصديق : أ- أن يؤمن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ عن ربه ديناً كاملاً لا يحتاج إلى تعقيبات الرجال، ولا إلى أذواقهم، قال تعالى : (اليَومَ أَكمْلتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَليْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمْ الِإسْلامَ دينا). وهذه مسألة يقع في خلافها كثير من المسلمين، وما باب البدع والمحدثات إلا لعدم فهم هذه المسألة فهماً صحيحاً، إذ كيف يحدث في دين الله من آمن بحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ عن الله كل ما أمر به دون أن يكتم شيئاً مما أوحى الله سبحانه إليه قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). فالرسول صلى الله عليه وسلم محال عليه أمران: الأول: كتم شيئٍ من العلم لقوله تعالى: (إِنَ الذينَ يَكْتُمونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِنَاتِ وَالهُدى مِنْ بَعدِ مَا بَيَناهُ لِلناسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللهُ وَيَلعَنُهُمْ اللاعِنون). الثاني: التقول على الله سبحانه بأن يقول عليه ما لم يقل كما في قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَلَ عَلينَا بَعضَ الأَقَاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باِليَمين ثُمَ لَقطَعنا مِنُهُ الوَتينْ فمَا مِنْكُمْ منْ أَحَدِ عَنْهُ حَاجِزين ) . فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يكتم شيئاً مما أنزل الله سبحانه عليه، كما لا يقل على الله سبحانه ما لم يقله، بل رسالته صلى الله عليه وسلم محض تبليغ كما في قوله تعالى : (وَما عَلى الرَسولِ إِلا البَلاغُ المُبين). فمن آمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ عن الله كل ما أمره بتبليغه دون أن يكتم منه شيئاً، وأنه لم يتقول على الله سبحانه أياً من الأقاويل، يستحيل عليه أن يلج باب المحدثات ليبحث لنفسه عن عبادات ما دل عليها دليل لا من كتاب الله سبحانه، ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ب- أن يسلم لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم تسليماً، كما في قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). فالتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على صحة الإيمان به، فلا يتصور الإيمان به صلى الله عليه وسلم مع الخروج عن حكمه أو استبداله كما هو حال كثير من الناس، بل إن عدم التحاكم للرسول صلى الله عليه وسلم دليل على عدم الإيمان لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ). فالمؤمن الحق هو الذي إذا دعي إلى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم سمع وأطاع وسلم تسليماً. ج- أن يؤمن بأن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم هو حكم الله تعالى وليس مجرد اجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ). وقال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) . فليس حكم الرسول صلى الله عليه وسلم غير حكم الله سبحانه بل هو عين حكم الله سبحانه، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي بشيء من تلقاء نفسه، بل بما يوحي إليه ربه سبحانه قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). د- أن يؤمن بأن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم عدل مطلق غير مشتمل على ظلم، قال سبحانه: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). فالتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هو تحاكم إلى العدل، والخروج عن حكمه دخول في الظلم والعدوان، فدين الله سبحانه قائم على العدل والإحسان، مناف للظلم والبهتان قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وقال أيضاً : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً). فالعدل الذي أمر الله سبحانه به المسلمين هو التحاكم إلى شرعه، كما أن الظلم الذي نهي عنه المسلمون، هو الدخول في حكم الطاغوت المنافي لحكم الله سبحانه، ومن هنا يدرك المسلم حقيقة أن حكم الله سبحانه هو إقامة العدل بين الناس المنافي للظلم، فلا تجد أصحاب العدل أصلاً واقعين في أحكام الطاغوت المناقضة لحكم الله سبحانه إذ كيف يرضى على نفسه الظلم من أحب العدل والخير، فمن المحال أن ينقاد ذو الفطرة السليمة إلى غير حكم الإسلام، فلا يقع ذلك إلا ممن طبع قلبه بالنفاق وغلقت عليه أبواب الخير قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً). فمن كان يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة، يؤمن بأنه صاحب رسالة خير وعدل أرسله الله سبحانه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وأن الخروج عن حكمه صلى الله عليه وسلم هو ظلم وجهل وشر مطلق لا يقع فيه إلا من اتهم بالنفاق والزندقة والعياذ بالله. هـ- أن يؤمن بأن الخروج عن حكمه صلى الله عليه وسلم، هو كفر وضلال، قال سبحانه: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). والأدلة في هذا الباب كثيرة معلومة، إذاً فالإيمان به صلى الله عليه وسلم لا ينحصر في مسألة الإيمان بصدقه صلى الله عليه وسلم، بل تتعداها إلى ما ذكرناه من أصول أصيلة لا يغفل عنها إلا من عميت بصيرته، وختم على قلبه، وحار فكره تيهاً وضلالاً، ورغم ذلك فإننا نجد كثيراً ممن ينتسبون إلى الإسلام يخرجون عن الحكم الشرعي دخولاً في غيره إتباعاً لأهوائهم وشهواتهم، فيقعون بالظلم والشر والضلال، وإذا طلب منهم التحاكم إلى شرع الله سبحانه أخذتهم العزة بالإثم ونفروا عنه كما ينفر الحمير من الأسود كما في قوله تعالى:(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَذْكِرَةِ مُعْرِضون). ولو كان هؤلاء يؤمنون بالله حقا، ويريدون الإصلاح فعلاً لما أعرضوا عن حكم الله سبحانه ودخلوا في غيره، ولما وقع منهم هذا الإفساد العظيم الذي عم الكون بحراً وبراً، فمهما حاول هؤلاء تزيين أنفسهم وأعمالهم للناس، وأنهم مريدون للخير فلا يخرج حالهم عن قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ). ثانياً: توقيره صلى الله عليه وسلم الذي هو تعظيمه: قال سبحانه: (وعزروه)، أي وقروه وعظموه، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). وهي مسألة في منتهى الأهمية إذ يؤدي عدم التزامها إلى حبوط العمل وضياعه. وقال سبحانه: (إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً). فتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم شعب الإيمان إذ لا سبيل إلى معرفة قدر الدين وأهميته في الحياة البشرية لمن لا يعرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته من الله سبحانه، فالرسول وإن كان بشراً من طين، لكن الله سبحانه أنعم عليه بنعمٍ عظيمة لا تكاد توجد لغيره من البشر حتى الأنبياء ومن ذلك أنه سيد ولد آدم كما جاء في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) رواه مسلم. ومنها أن الله سبحانه اختصه بما لم يختص به غيره من الأنبياء كما في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أوتيت خمساً لم يؤتهن نبي كان قبلي نصرت بالرعب فيرعب مني العدو عن مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي وبعثت إلى الأحمر والأسود وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله عز وجل لا يشرك به شيئا). ومنها أنه صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشفاعة الكبرى التي يحجم عنها الأنبياء ومنهم أولوا العزم من الرسل كما في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا عند ربنا فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته ويقول ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله فيأتونه فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً فيأتونه فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته ائتوا موسى الذي كلمه الله فيأتونه فيقول لست هناكم فيذكر خطيئته ائتوا عيسى فيأتونه فيقول لست هناكم ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني فأستأذن على ربي فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله ثم يقال لي ارفع رأسك سل تعطه وقل يسمع واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن). وهو حديث صحيح عند البخاري وغيره. وما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من ولد آدم معلوم للخاصة والعامة، فهو صلى الله عليه وسلم أحب العباد إلى الله سبحانه، وأقربهم منه منزلة، وأدل خلقه عليه، إلى غير ذلك من المناقب المعلومة، ثم كيف يؤمن بالله العلي العظيم من لا يجد في قلبه أبلغ معاني التوقير والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن من ينصرف عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى متابعة غيره لم يعرف حقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يوقره فكيف بمن يهزأ من سنته أو من صفات أتباعه هذا هو الكفر والذي لا إله إلا هو قال سبحانه:( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ). ثالثاً: نصرته صلى الله عليه وسلم: ثم إن من علامات الإيمان به، نصرته صلى الله عليه وسلم في شخصه، وفي دينه، قال تعالى:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) "الأعراف". وقال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). فنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم من أوثق عرى الإيمان إذ بنصرته صلى الله عليه وسلم يقوم الدين وترفع رايته، وبها يحق الحق ويبطل الباطل، ويقوم الناس بالقسط، ولا يعتبر نصره صلى الله عليه وسلم منفصلاً عن نصر الله سبحانه، بل هو أصل في نصر دين الله تعالى الذي هو السبيل الأوحد لنصر الله سبحانه عباده المؤمنين قال سبحانه:( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ). وهذه قضية في منتهى الوضوح، إذ لا يتحقق المسلمون على نصر الله لهم حتى ينصروا هم دين الله سبحانه، إذ إن نصر الله سبحانه لعباده المؤمنين لا يكون مجاناً بل لا بد من تضحيات جسيمة يقوم بها المسلمون حتى يتحقق لهم نصر الله سبحانه، قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). فالمسلم الحق هو الذي يجود بنفسه وماله في سبيل نصر دين الله إذ بهذا يتحقق وعد الله له قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). فهذه صفقة عقدت بين الله سبحانه وبين عباده المؤمنين، وهي مشتملة على مشترٍ وبائع، وسلعة وثمن، فالمشتري هو الله سبحانه، والبائع هو المؤمن، والسلعة هي النفس والمال، والثمن هو الجنة، فالمؤمن باع نفسه وماله لله سبحانه، وحاله مع الله كما قال الحق سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). فهو موقوف على الله سبحانه، يعيش في طاعة مطلقة لا يخرج عنها إلا خروجاً عارضاً كونه خطاء سرعان ما يرجع إليها، وهذه الصفقة هي حقيقة البيعة التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه الكرام رضي الله عنهم إذ جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا والأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله ونقوم بالحق حيث كان ولا نخاف في الله لومة لائم). وقد وفّى الصحابة رضي الله تعالى عنهم ببيعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم بحق فأثنى الله سبحانه عليهم بذلك وقال في حقهم: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً). لذا نصرهم الله وأيدهم وأظهرهم على عدوهم بفضله ومنّه سبحانه فقال: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وعن قريب جعلهم خلفاء الأرض تحقيقاً لوعده لهم إذ قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). على خلاف واقع الأمة في هذا الزمان فلم يعد نصر الرسول صلى الله عليه وسلم هدفاً لكثير منهم، بل أصبح الخروج عن نهجه سبيلاً لأكثرهم وهذا ما أدخلهم في دائرة الذل والصغار، وأدى إلى تسلط أعدائهم عليهم من كل حدب وصوب قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ*إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وإن التخلي عن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم صورة من صور النفاق، ودليل على عدم ترسخ الإيمان في القلب قال سبحانه: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ). ومن هنا تعلم أخي أن التخاذل عن نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدر من رجل آمن بالله سبحانه وأحب دينه، وعرف قدر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن نصر عباد الله المؤمنين وتكثير سوادهم والتعاون معهم على البر والتقوى هو صورة من صور نصر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو نصر لدين الله سبحانه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). وقال سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). وفي الحديث عن النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى). فلا يكون المؤمن واعياً لحقيقة الإيمان مع إعراضه عن مناصرة إخوانه وتكثير سوادهم وصبره لنفسه معهم، بل الحال مع هذا لدليل على الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة، إذ كيف ينصرف المؤمن عن إخوانه مع علمه أن النجاة لا تكون إلا معهم، وأن دونهم الخسارة والهلاك كما قال سبحانه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً). وحتماً إن الإعراض عن منهج أهل الحق وخذلهم ومعاونة أعدائهم عليهم، هو مشاققة للرسول صلى الله عليه وسلم التي هي أصل خذل دينه القويم، قال سبحانه: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً). وعليه إن نصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ونصر أتباعه على الحق هو من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ودونه الهلاك والضلال نسأل الله العلي العظيم العفو والعافية. رابعاً: تقديم محبته على محبة النفس والمال والأهل. وهذا أصل في تحقيق الإيمان، فإن تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على النفس والمال والأهل شرط أساسي في الإيمان لذا نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لم يقدم محبته صلى الله عليه وسلم على محبته لنفسه وماله والناس أجمعين كما ثبت ذلك عنه في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده). وفي رواية للبخاري أيضاً عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر رضي الله عنه: " يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا نفسي " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك) فقال له عمر: فإنه الآن والله، لأنت أحبّ إليّ من نفسي " ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر). فهذه الروايات فيها تصريح بنفي الإيمان عن من لم يقدم حب النبي صلى الله عليه وسلم على حبه لنفسه والدنيا بأسرها، وكذلك فقد جاءت نصوص أخرى تصف من يقدم حب الرسول صلى الله عليه وسلم على حبه لنفسه بالمؤمن الحق الذي ذاق حلاوة الإيمان كما في الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار). وهذه درجة عظيمة في الإسلام، وشعبة هي من أعلى شعب الإيمان ينصرف عنها كثير من المسلمين لأقل العروض غفلة أو إعراضاً، وحتى نستطيع فهم تقديم حب الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة النفس، ينبغي أن ندرك جيداً حقيقة حبنا لأنفسنا، فإن حب الذات هو العامل الأساسي الباعث على السعي خلف تحقيق المصلحة الذاتية، والإعراض التام عن ما يترتب عليه مفسدة للنفس، فيستحيل أن يكون المحب لنفسه ساعياً وراء هلاكها، أو معرضاً عن تحقيق ما ينفعها ويسعدها، لذا نجد الإنسان حريصاً على تحقيق ملذات نفسه بأي طريقة كانت إلا عند من أنار الله سبحانه قلوبهم بالتقوى فلم يغذوا أنفسهم على ما حرم الله سبحانه، بل اجتهدوا في السعي لتحقيق ما أحل الله لتقوم نفوسهم على تقوى الله سبحانه فيكونوا من أولياء الله الصالحين، على خلاف أولئك الذين يتحقق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام). كما أن أطماع النفس لا حدود لها كما في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب). والمفهوم العام لهذا الحديث أن المرء يحرص أشد الحرص على جلب ما ينفعه حباً لنفسه، ودفع عنها ما يضرها حرصاً عليها، وهذا من عظيم حبه لها، فهو لا يأتي بأمر من شأنه أن يقلِّب عليها همومها وأوجاعها، بل يذبّ عنها ويحميها من كل مكروه قد يلم بها، وينصرها ويبالغ بنصره لها، ولا يتوانى في الانتقام لها إذا ما اعتدي عليها أو أنقصت حقاً من حقوقها، كما ويفرح لما يمسها من خير، ويحزن لما أصابها من شر إلى غير ذلك، وكل هذا بسبب حبه لنفسه فكيف بتقديمه حب الرسول صلى الله عليه وسلم على حبه لنفسه؟ حتماً سيكون أحرص على تحقيق ما يؤدي إلى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومتبعاً لسنته مقتدياً بهديه، محباً لإظهار دينه ونشره، متألماً على مخالفة هديه وأمره، منتصراً له مقدماً لدينه على نفسه وماله وأهله، فيستحيل أن يكون الرجل محباً للرسول صلى الله عليه وسلم ثم يكون مُعرِضاً عن اتباع سنته، مقتدياً بغيره، مظهراً لما يخالف أمره، معرضاً عن أوليائه، بل قد يكون محباً لأعدائه، وهذا كله من الجهل المركب والظلم المحتم، ومن المعلوم أن حب الله سبحانه وهو أعظم حباً من حب الرسول صلى الله عليه وسلم متوقف على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فالدليل على حبنا لله سبحانه، هو متابعتنا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإعراضنا عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم نتيجة عدم حبنا الصادقة لله سبحانه، وحتما من يتصف بهذا الوصف المذموم لا يكون إلا من الفاسقين كما في قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
فهل ترضى لنفسك أن تتصف بصفة الفسق؟ إني لأعلم يقيناً أن جوابك سيكون لا، إذاً هل حققت في نفسك تقديم حب الرسول صلى الله عليه وسلم على حبك لنفسك؟ خامساً: إتباع ما جاء به صلى الله عليه وسلم: وهذا ما تضمنه قول الله تعالى: ( واتبعوا النور الذي أنزل معه). والمتأمل في مسألة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم يجدها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: متابعة ما كان متعلقاً بشخصه صلى الله عليه وسلم، القسم الثاني: متابعة ما جاء به من الحق، القسم الثالث: متابعة من أمرنا باتباعه نصاً أي من الكتاب والسنة، فقوله تعالى: (واتبعوا النور الذي أنزل معه) يعني اتباع ما جاء به، وقوله تعالى:(لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة)، اتباع لشخصه صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: (لقد كان لكم أسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه)، اتباع لما أمرنا بإتباعه نصاً، وكذا قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي، وسنتي الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). وكل هذا داخل في اتباعه صلى الله عليه وسلم، وأدلة متابعته صلى الله عليه وسلم معلومة لكل مسلم، بل هي الطريق الموصل إلى الجنة، ودونها العذاب الأليم أعاذنا الله جميعاً من عذاب جهنم. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:(كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى). قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى( رواه البخاري.ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الضابط في تحقق التوحيد، كما أن التزام منهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو الضابط في حقيقة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كلمة التوحيد مشتملة على ركنين، الركن الأول معروف بالعموم وهو (لا إله إلا الله) إلا أن قيامه لا يتحقق إلا بما يضبطه من ضوابط لا يتم إلا بها وهي توحيد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الركن الثاني من ركني التوحيد (محمد رسول الله) فكما أن صرف شيء من العبادة لغير الله سبحانه يعتبر شركاً، فكذلك صرف المتابعة لغير النبي صلى الله عليه وسلم يسمى شركاً أيضاً، فالأول يعتبر شركاً في العبادة، والثاني يعتبر شركاً في المتابعة، والخلل في أحدهما أو كلاهما يخرج الناس عن حقيقة التوحيد، وهذا ما وقع فيه كثير من الناس إذ انصرفوا عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ودخلوا في تقليد من يحرم عليهم تقليدهم وجعلوا مناط الدين والأمر والنهي مرتبطاً بهم وقد قال الله سبحانه في أشباههم: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وحقيقة اتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله سبحانه أنهم استمدوا التحليل والتحريم من أفواه علمائهم دون الرجوع إلى ما جاءهم به أنبياؤهم كما في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه، وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية قال: فقلت له: أنا لسنا نعبدهم قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه قال فقلت بلى قال فتلك عبادتهم .وهذه قضية منتشرة بين المسلمين في هذا الزمان إذ أصبحت مراجع القوم إلا من رحم ربي سبحانه ما يستمدونه من أحزابهم ومشايخهم وأحزابهم، فجعلوا الحق منوطاً بأقوال كبرائهم وأقاموا في ذلك ولاءهم وبراءهم، فالمحق عندهم من كان منهم، والمبطل من أنكر عليهم، والجاهل من توقف فيهم دون مدح أو قدح، وكل هذا يتعارض مع حقيقة توحيد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ هو المُبلّغ الوحيد عن ربه، فلا مصدر للأمة لمعرفة ما أحل الله وما حرم إلا عن طريقه صلى الله عليه وسلم، وهذه قضية بسطنا القول فيها سابقاً، والمتبع للحق هو الذي يحصر اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره، فلا حلال إلا ما أحل، ولا حرام إلا ما حرم من خلال مصدر الوحي الكتاب والسنة، فإن ما أحله الرسول صلى الله عليه وسلم هو عين ما أحله الله سبحانه، وكذلك ما حرم فإنه بأبي هو وأمي وحي يوحى إليه لا يأتي بشيء من تلقاء نفسه، على خلاف من يتبعون من دونه فأقوالهم تعرض على الكتاب والسنة، والحق فيها ما وافق الكتاب والسنة، والباطل ما عارضهما، ولا يلزم الأمة البتة أن تتبع رجلاًَ أو حزباً أو مذهباً بعينه، وقد أشرنا إلى ذلك برسالتنا (حكم التقليد وضوابطه) ففيها خير إن شاء الله فلتراجع، وعليه فإن التوحيد الحق لا يقوم بشخص ما حتى يتحقق على ركنيه، توحيد الله سبحانه بالعبادة، فلا يعبد غيره بأي نوع من أنواع العبادة، وتوحيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتابعة، فلا يرى وجوب اتباع غيره إلا بما دلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وإن تنوع المتبوعين في الأمة أدى إلى تفرقها واختلافها، وإلا لو أقامت فيها حقيقة المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم لما وقعت فيما وقعت فيه من تنازع وشتات وضعف ذهاب لقوتها وسؤددها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. سادساً: الإكثار من ذكر الله سبحانه. وهي صفة ثابتة لأهل الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ). وقد جاء فضل الذكر والذاكرين في كثير من نصوص الكتاب والسنة وهي كثيرة معلومة نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين. أخي الحبيب، إن ما ذكرنا من صفات لازمة لأهل المتابعة أمر لا يتغيب إلا عن من عميت بصيرته، واختلطت أوهامه، ومزجت بضاعته فأصبح أعمى القلب، يلهث وراء شهواته وشبهاته، وهنالك كثير من الصفات الدالة على حقيقة المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم أتينا على ذكر أبرزها نسأل الله أن نكون قد بينا وأحسنا البيان وسبحان الذي أبى أن يكون الكمال المطلق إلا له سبحانه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 16/2/1431 هـ |
|
| آخر تحديث ( 03.02.2010 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|










